عندما تخلو لنفسها كل ليلة, تحتضن وسادته الخلية بقربها و تطلق زفرة حارة و
حزينة و كلها ندم على ما سوف يضيع من عمرها في اثناء غيابه عنهاو هو ما لم تعتاده
من قبل.
تترك سريرها و تندفع نحو مرآتها علها تصادف شبابها القديم , تظل تحلم و يهيئ لها
صباها البعيد مرتسم على قسمات وجهها و تبدو لها ابتسامة استحياء نائمة بين شفتيها
. و قبل أن تصدق هواجسها ينبهها عقلها إلى حقيقتها: فترى الصبا و علاماته هي
حقيقة تجاعيد تفشت بشرتها النضرة الطرية معلنة عن بدء شيخوختها و مصدر جديد
لآلامها غير رحيله, فتلتفت إلى ابتسامتها المتصابية علها تجد ما يشجعها و يبرهن
لها انها ما زالت في ربيع العمر , فتجدها قد يبست من الحزن و المعاناة . ترى
عينيها و قد ولى منهما بريق ماضيها السعيد و كأنما وضعه بين أشيائه عندما رحل: لم
يبق منها الا اطلال امرأة افنت عمرها تحب رجلا بل تعشقه ثم تركها و ذهب. اي شئ
يمكن ان يكون اكثر ايلاما لها و اي عزاء يمكن ان يعوضها عدم استجابته لها عندما
تناديه , تذوب شوقا المسكينة كطفلة و هي تنادي عليه فلا يجيبها غير صدى ندائها
الحزين في ارجاء المنزل. هجرها الأبناء و ان تعلق بها الأحفاد و لكنها لم يغنها
ابدا شيئا عنه. كانت تحن في ذكرى امسياتهما معا أيام الحب إلى ان تطعمه و تسقيه
بيدها و لأن تحتضنه و تهون عليه اهوال الأيام, كل ذلك تركه لها و رحل , و صارت هي
من بعده تعيش على أمل اللقاء بعد الرحيل , يخيل لها الموت كل ليلة و يأبى أن
يدركها و كلها أشواق إليه.